أثر البيئة البدوية في مصطلحات الخليل العروضية

  • د. الحسن المثنى عمر الفاروق

Abstract

ظهر الاهتمام بالمعنى الاصطلاحي باكراً في الحضارة الإسلامية حينما اتجه العلماء إلى التأصيل للعلوم الإسلامية بمختلف مسمياتها ، ولا يخرج الحديث عن المعنى الاصطلاحي عن التطور الدلالي الذي صاحب ألفاظ اللغة العربية بسبب ظهور الإسلام، حيث خرجت الكثير من الألفاظ عن معانيها  اللغوية لتحمل معاني استجدت بسبب النقلة الدينية  والسياسة والاجتماعية التي حدثت في المجتمع العربي والإسلامي ، وعلى ذلك فإن العلوم الإسلامية المختلفة سواء أكانت في الشريعة والدين أم الأدب واللغة  ، كانت تنص في مباحثها المختلفة على أمرين: الأول: هو المعنى اللغوي الموضوع للفن في أصل اللغة، والثاني: المعنى الاصطلاحي الذي نُقلت إليه اللفظة في استعمال جديد اصطلح عليه أهل فن علمي معين.

وعلم العروض لم يخرج عن هذا المنحى ، فقد وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي ووضع مصطلحاته وابتكر مباحثه ، وما يميز هذا العلم عن بقية العلوم في نشأته أنه اُتُفِق على أن واضعه شخص واحد هو الخليل ، على حين اختلف الناس في واضعي العلوم الأخرى ، كالنحو مثلاً  نجد مصطلحاته متعددة فالمصطلح الواحد يحمل أكثر من اسم كمصطلحات نحاة الكوفة التي تختلف عن مصطلحات نحاة البصرة ، ولعل انفراد الخليل بهذا العلم قد ساعد في أن تتخذ مصطلحاته شكلاً يخالف ما عليه الحال في مصطلحات العلوم الأخرى ، ويبدو أن شخصية الخليل ومقدراته العالية في الابتكار وبقاؤه في البادية زمناً طويلاً ، قد أثر فيه فعقد مصطلحاته معتمداً على البيئة البدوية التي عاش فيها وخبرها.

حاول هذا البحث تتبع مصطلحات الخليل في علم العروض ، حيث سلط البحث الضوء على أثر البادية في هذه المصطلحات ، إذ إن الخليل قد عمد إلى عَقْدِ تشبيهٍ بين هذه المصطلحات وبين ما حوله من مظاهر البيئة البدوية واستطاع أن يخلق شكلاً من التلاقي بين المدلول اللغوي للكلمة مع مدلولها الاصطلاحي ، وقد مثلت البادية نقطة التلاقي بين هذين المدلولين ، وقد اتخذ الخليل من موجودات البادية صوراً لتفاعيله وما يعتريها من تغيير ، وقد تتبع الباحث هذه المصطلحات وصنفها إلى مصطلحات مشبّهة بمسكن إنسان البادية ، كالعروض والضرب والأسباب والأوتاد وغير ذلك ، ومصطلحات مشبهة بإنسان البادية نفسه ، وما يعتري صورته من تغيير عندما يكون على حالة معينة وأكثر ما يكون ذلك في وجه هذا الإنسان ،  ومن هذه المصطلحات الوقص والعقص والخرم والثلم وغيرها ، كما لحق هذا التشبيه ما يصيب الإنسان من مرض أو تعب ، ومن هذه المصطلحات العلة والرس وغير ذلك مما أشار إليه الباحث في موضعه من البحث ، وهناك مصطلحات أخرى لها تعلق بثوب البدوي كالكف والتذييل والترفيل ، حيث عقد الخليل شبهاً بين بعض هذه المصطلحات وبين ثوب البدوي حينما يخبن أو يكف أو يذيل. ولم يغفل الخليل حيوان البادية فعقد شبهاً بين مصطلحاته وبين الناقة حين يعتريها أمر معين وجعل من بعض التفاعيل صورة مشبهة بالشاة أو الفرس ، ومن هذه المصطلحات الزحاف والعصب والعضب والجمم والخزم وغير ذلك.

ولعل اتجاه الخليل إلى البيئة البدوية وعقد شبه بين مصطلحاته وبين مظاهرها له سببه الوجيه المتمثل في محاولته ـ وهو من العلماء المعلمين ـ أن يقرب علمه هذا إلى فهوم متعلميه فوجد في معطيات البادية صورة ذهنية تقرب التغيير الذي يحدث في التفعيلة فتبدو كالفرس المشكولة أو الناقة الرجزاء أو كالشاة العضباء وغير ذلك ، فبدا عمله كالمعلم الذي يصمم وسيلة تعليمية ويرسمها في صورة ذهنية راسخة في ذهن كل من عاش بالبادية  ، وعلى هذا جاءت مصطلحات الخليل العروضية زاخرة بصورة الحياة البدوية مفعمة بكل ما في البادية من حيوية تبثها صورها الساكنة والمتحركة التي اعتمد عليها في التشبيه.

Published
2019-09-13
How to Cite
عمر الفاروقد. ا. ا. (2019). أثر البيئة البدوية في مصطلحات الخليل العروضية. Islamic Dawa Landmarks Journal, 5(1). https://doi.org/10.52981/fic.v1i5.232
Section
Da'wa and Islamic Culture